الرؤى ←

تسوية الحساب النهائي في البناء بالإمارات: إطار الإجراءات

أين تُكسَب الأموال أو تُفقَد: التعليمات المكتوبة، والإخطارات في وقتها، والمستندات التي تقوم عليها

يسوِّي الحساب النهائي مبلغ العقد مع أوامر التغيير والمبالغ المؤقتة واقتطاعات الضمان والدفعات المرحلية. يتناول هذا المقال السجلات التي يقوم عليها الحساب، ومواعيد التقديم والإخطار التي قد تُحبِط المطالبة، وكيفية تقييم أوامر التغيير واعتمادها في العقود القائمة على الفيديك (FIDIC)، وكيفية إدارة التفاوض الختامي وأي تحكيم يعقبه.

روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant

الحساب النهائي هو الجدال الأخير في مشروع البناء. فهو يقابل مبلغ العقد الأصلي بكل أمر تغيير ومبلغ مؤقت واقتطاع ضمان ودفعة مرحلية، ويخرج بالرقم الذي يدين به أحد الطرفين للآخر. والكثير مما يُنازَع فيه في تلك المرحلة يكون قد حُسم قبل أشهر، في تعليمات لم يؤكدها أحد كتابةً، أو في إخطار صدر بعد فوات الموعد النهائي التعاقدي.

تخضع أعمال البناء في دولة الإمارات لإطار من القوانين يشمل القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 (قانون المعاملات المدنية) والقانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 بشأن التحكيم، إلى جانب لوائح خاصة بكل إمارة ونماذج عقود مثل عقود الفيديك (FIDIC) المستخدمة على نطاق واسع في المشاريع. العقد يزوِّد آلية الحساب، وقانون المعاملات المدنية يزوِّد مبادئ التفسير والالتزام والتعويض التي تقرأ المحكمة أو هيئة التحكيم العقد على ضوئها.

ما الذي يجب على الحساب تسويته، والسجلات التي تقوم عليه

يبدأ الإعداد بتجميع والتحقق من جميع البيانات التعاقدية والمالية المتراكمة على مدار المشروع. ويجمع الحساب مبلغ العقد الأصلي وأوامر التغيير والمبالغ المؤقتة واقتطاعات الضمان والدفعات المرحلية وأي تسويات مالية أخرى.

يجب اتباع بنود العقد ذاتها المتعلقة بطرق التقييم ومواعيد التقديم والاعتماد حرفيًا، لتجنب النزاعات المؤسَّسة على عدم الامتثال الإجرائي. وكثيرًا ما تدقق المحاكم الإماراتية وهيئات التحكيم في ما إذا كان الحساب النهائي قد أُعِدَّ وقُدِّم وفقًا لتلك الأحكام. ويجب على المقاولين تسجيل جميع أوامر التغيير والمطالبات، ودعمها بوثائق مثل أوامر التغيير الرسمية وتعليمات الموقع وتقارير سير العمل.

التعاون بين الطرفين في هذه المرحلة يمكن أن يساعد في الوصول إلى تسوية أكثر سلاسة، لكنه لا يُغني عن الحرص في ما يُسجَّل، ومن يقوم بتسجيله.

الأثر الوثائقي هو الحساب

التوثيق هو العمود الفقري لحساب نهائي ذي مصداقية. وبعيدًا عن السجلات المالية الأساسية، ينبغي للطرفين الاحتفاظ بمسار تدقيق تفصيلي: المراسلات المتعلقة بأوامر التغيير، ومحاضر الاجتماعات، ويوميات الموقع، وتقارير سير العمل المعتمدة. هذا السجل يدعم دقة الحساب، ويصبح الدليل في أي حل للنزاعات يعقبه.

المخاطرة تجري في الاتجاهين؛ فالمقاول الذي يقدم حسابًا نهائيًا دون مستندات داعمة تفصيلية لأوامر التغيير المطالَب بها يخاطر بأن ينازع صاحب العمل في المبالغ أو يحجب الدفع. وصاحب العمل الذي يتقاعس عن تقديم الاعتمادات أو إخطارات الاعتراض في وقتها قد يفقد حقه في الاعتراض على المطالبات. وغالبًا ما يكون الاستشاري القانوني المتمرس في عقود البناء والاستشاريون في مجال البناء لا غنى عنهم هنا، لتسوية مواطن الغموض المحتملة وإخراج حساب نهائي قابل للدفاع.

الموعد النهائي للتقديم قد ينهي الحساب قبل أن يُجادَل فيه

تحدد معظم عقود البناء مواعيد نهائية صارمة لتقديم الحساب النهائي، عادةً خلال فترة محددة بعد الإنجاز الفعلي أو التسليم النهائي. والإخفاق في التقديم خلال تلك المدة قد يُحبِط المطالبات، أو يخوِّل صاحب العمل رفض الحساب النهائي رفضًا قاطعًا.

وبذلك يكون الموعد النهائي مشكلة إدارة مشروع بقدر ما هو مشكلة قانونية. فكلا الطرفين يحتاج إلى أنظمة تنبهه إلى التواريخ الحرجة، وتُنجز تجميع الحساب وتقديمه في الوقت المناسب. وتفويت الموعد النهائي غالبًا ما يُجرِّئ الطرف الآخر على اتخاذ موقف متشدد.

كيف يُقيَّم أمر التغيير، ومن يقيِّمه

أوامر التغيير هي تعديلات على نطاق العمل أو تصميمه أو تنفيذه، ويجب تسعيرها بدقة وإدخالها في الحساب النهائي. وتُستمَد المبادئ الحاكمة لتقييمها من العقد، مكملةً بأحكام القانون المدني الإماراتي التي تؤكد حسن النية والإنصاف في التعاملات التعاقدية.

نماذج الفيديك (FIDIC) الشائعة الاستخدام في مشاريع الإمارات تتضمن بنودًا تفصيلية بشأن إجراءات أوامر التغيير، بما فيها متطلبات الإخطار، وأسس التقييم كالأسعار والأعمال اليومية أو المبالغ المقطوعة المتفق عليها، وخطوات حل النزاعات. ويجب على المهندسين أو مقيسي الكميات المعيَّنين بموجب العقد إجراء تقييماتهم امتثالًا لتلك الأحكام إذا كان للتقييم أن يكون قابلًا للتنفيذ.

كثيرًا ما يعمل المهندس أو مقيِّس الكميات طرفًا ثالثًا محايدًا، يقيِّم مطالبات أوامر التغيير ويعتمد المبالغ المستحقة. ويكتسي هذا الدور أكبر وزن في العقود القائمة على الفيديك، حيث يمكن أن تصبح قراراتهم ملزمة ما لم تُطعَن فيها رسميًا. فإذا تضمن أمر تغيير أعمال حفر إضافية مثلًا، وجب على المهندس التحقق من أن القياس يتوافق مع مواصفات العقد، وأن الأسعار المطبقة تعكس أسعار الوحدات المتفق عليها أو سجلات الأعمال اليومية. وأي انحراف، أو إخفاق في توثيق التقييم توثيقًا سليمًا، قد يتحول إلى نزاع ينتهي في التحكيم.

أمر تغيير اتُّفق عليه في حديث قد لا يكون موجودًا أصلًا

تطبق المحاكم الإماراتية أيضًا أحكام قانون المعاملات المدنية المتعلقة بالالتزامات التعاقدية، وهي أحكام تؤكد حسن النية (المادة 246) والالتزام بتنفيذ العقود وفقًا لمضمونها. وأوامر التغيير التي لا يُتَّفق عليها كتابةً، أو التي تُجرى دون موافقة مستحقة، قد تُعَد باطلة، لا سيما حيث تغيِّر الطبيعة الجوهرية للعقد.

تقع المخاطرة على عاتق الطرف الذي يحاول تنفيذ أمر تغيير غير مصرح به؛ فالمحاكم تميل إلى اشتراط دليل واضح لا لبس فيه على الرضا المتبادل وعلى التقييم قبل أن تنفذ مثل هذه المطالبة. وحماية المقاول تكمن في الموافقة المسبقة، وفي سجلات معاصرة للتعليمات وللتكلفة.

خذ مثلًا صاحب عمل يأمر بتغيير في التصميم في منتصف المشروع دون موافقة كتابية رسمية، فيمضي المقاول بناءً على تعليمات شفهية مسجلة فقط في محاضر الاجتماعات. عند التسوية ينازع صاحب العمل في تكلفة أمر التغيير، مدعيًا أنه لم يكن هناك رضا رسمي. وإخفاق المقاول في تأمين أمر تغيير كتابي رسمي يُضعِف المطالبة بموجب القانون الإماراتي.

لا تصل المطالبات إلى الحساب إلا إذا أُخطِر بها

تنشأ المطالبات عادةً من التأخيرات، أو الظروف غير المتوقعة في الموقع، أو الاختلاف في تفسير شروط الموقع، أو الإخلال بالعقد. ويجب توثيقها بعناية، وتقديمها في وقتها، وتقييمها على أساس موضوعي وفقًا لأحكام حل النزاعات التعاقدية.

وهذا يدعو إلى عملية مطالبات منهجية تسري منذ بداية المشروع، بحيث تُحدَّد المطالبات المحتملة وتُكمَّى وتُدعَّم بالأدلة فور وقوعها. وتتطلب سجلات معاصرة وإخطارات وأدلة داعمة مثل السجلات اليومية والمراسلات وتقارير الخبراء. وعدم الامتثال لمتطلبات الإخطار التعاقدية، أو عدم تقديم أدلة كافية، قد يُحبِط المطالبة ويترك المقاول بخسارة مالية كبيرة.

المطالبات الشائعة في مشاريع الإمارات هي:

  • مطالبات التأخير، الناشئة عن تأخيرات يتسبب فيها صاحب العمل، كالتأخر في الموافقات أو قيود الوصول إلى الموقع.
  • مطالبات عدم الكفاءة أو زيادة استهلاك الموارد، الناجمة عن التغييرات أو عن ضعف التنسيق.
  • مطالبات التعجيل، حيث يُسرِّع المقاولون العمل بتكلفة إضافية لأن الجدول الزمني قد ضُغِط.
  • مطالبات الظروف غير المتوقعة، مثل ظروف التربة غير المتوقعة أو المرافق المدفونة.

يتطلب كل نوع من المطالبات أدلة وطرق تقييم متميزة.

تفرض معظم عقود البناء الإماراتية متطلبات إخطار صارمة للمطالبات، وغالبًا ما تشترط إخطارًا كتابيًا خلال مدة محددة من وقوع الحدث المنشئ للمطالبة. وكثيرًا ما ترفض المحاكم وهيئات التحكيم المطالبات التي لم تُستوفَ فيها أحكام الإخطار، بصرف النظر عن جدارة الاستحقاق موضوعًا.

فالمقاول الذي تأخر بسبب تأخر صاحب العمل في اعتماد التصميم، ولم يُخطِر خلال المدة التعاقدية، قد يجد مطالبته مرفوضة لأسباب إجرائية رغم وضوح السببية وقابلية الخسائر للتكميم. والحل هو نظام داخلي يتتبع المواعيد النهائية التعاقدية ويُخرِج الإخطارات في وقتها. وعلى أصحاب العمل، في المقابل، الرد على الإخطارات بسرعة لتجنب النزاعات المطوَّلة.

إدارة التفاوض الختامي

التفاوض على الحساب النهائي هو الفرصة الأخيرة لحل المسائل المالية العالقة وديًا، قبل حل النزاعات الرسمي. وهو يستدعي فهمًا وافرًا للاستحقاقات التعاقدية ونقاط القوة والضعف في الأدلة: صحة أوامر التغيير والمطالبات، وموثوقية المستندات الداعمة، وما يقوله القانون الإماراتي عن تنفيذ العقود والتعويضات. والحساب المُعدّ إعدادًا جيدًا هو بذاته أساس للاتفاق.

عدة تقنيات تميل إلى دفع التفاوض إلى الأمام:

  • ترتيب أولويات المسائل. حدِّد الفروق المالية الرئيسية مبكرًا، وركِّز التفاوض عليها بدلًا من البنود الصغيرة.
  • التسويات المرحلية. الاتفاق على تسويات جزئية للمبالغ غير المتنازع فيها يمكن أن يخفف الاحتكاك ويبني زخمًا نحو الاتفاق الكامل.
  • الفصل بالخبرة. يمكن الاستعانة بخبراء مستقلين لتقييم نزاعات فنية أو تقييمية محددة، بإبداء رأي محايد يساعد على ردم الفجوات.
  • التواصل والتوثيق الواضحان. وثِّق كل خطوة في التفاوض، لمنع سوء الفهم، ولتوفير الدليل إذا فشلت عملية التسوية.

يوازن مستشارو عقود البناء بين الحزم والمرونة في ذلك التفاوض، وينبغي أن يتوقعوا تكتيكات مثل الزيادات الأخيرة في المطالبات، أو محاولات حجب المدفوعات بغير وجه حق.

إذا بلغ التفاوض طريقًا مسدودًا، وجب على الطرفين الاستعداد لاستخدام آليات حل النزاعات الرسمية بموجب العقد أو بموجب القانون الإماراتي. ويعني ذلك تجميع المستندات والحجج القانونية وتقارير الخبراء اللازمة للفصل أو التحكيم أو التقاضي. والإشراك المبكر لمستشاري عقود البناء يمكن أن يبني قضية أقوى.

حسن النية والتحكيم وطبقة الإمارة

يتطلب قانون المعاملات المدنية من الطرفين التصرف بحسن نية. ويعمل هذا المتطلب رادعًا قانونيًا ضد السلوك التعسفي أو الاستغلالي، سواء في تنفيذ العقد أو في تسويته.

المقاول الذي يُضخِّم المطالبات دون أدلة داعمة قد يُطعَن فيه على هذا الأساس، وصاحب العمل الذي يحجب المدفوعات دون مبرر أو يرفض المطالبات الصحيحة يخاطر بجزاءات قانونية.

ما يجب أن يحدده شرط التحكيم

التحكيم غالبًا ما يكون المنتدى المفضل لخلافات الحساب النهائي، نظرًا للتعقيد الفني والحساسية التجارية لنزاعات البناء. ويوفر القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 إطارًا إجرائيًا محايدًا لها، ولهذا السبب كثيرًا ما يُدرِج الطرفان شروط تحكيم في عقود البناء. والتفاصيل الإجرائية والموضوعية لهذا القانون جديرة بالدراسة قبل أن ينشأ النزاع.

قرارات التحكيم قابلة للتنفيذ بموجب قانون التحكيم الإماراتي والاتفاقيات الدولية كاتفاقية نيويورك، وهو ما يهم في المشاريع متعددة الجنسيات. أما الشرط ذاته فيجب صياغته بعناية: فينبغي أن يحدد مقر التحكيم ولغته والقانون الواجب التطبيق والقواعد الإجرائية، لتجنب الطعون في الاختصاص.

قواعد الإمارة تعلو فوق العقد

يوفر القانون الاتحادي النظام الشامل، لكن اللوائح على مستوى الإمارة وتصاريح البناء يمكن أن تؤثر في تنفيذ العقد وفي تسوية الحساب النهائي. فلوائح بلدية دبي، أو متطلبات دائرة التخطيط العمراني والبلديات في أبوظبي، قد تفرض شروط امتثال تؤثر في اعتماد أوامر التغيير أو شهادات إنجاز المشروع.

المراجعة القانونية لتلك المتطلبات المحلية تدخل ضمن عمل التسوية، لأن الإخفاق فيها قد يُبطِل أجزاء من الحساب النهائي أو يؤخر المدفوعات.

ما كان يمكن للعقد أن يحسمه منذ البداية

تسوية الحساب النهائي تسير بسلاسة أكبر حيث يكون العقد قد خصَّص بوضوح، منذ البداية، المخاطر المرتبطة بأوامر التغيير والمطالبات والتأخيرات. وينبغي أن تحدد العقود إجراءات الإخطار والتقييم وحل النزاعات، بحيث تُعالَج تلك المخاطر مبكرًا. ويمكنها أن تضع جداول زمنية محددة لتقديم المطالبات، وآليات تفصيلية لتقييم أوامر التغيير كالإحالة إلى أسعار القطاع المعيارية، ومجالس فض نزاعات متفقًا عليها مسبقًا تحل النزاعات قبل أن تتفاقم.

يمكن لبرمجيات إدارة المشاريع والمحاسبة أن تتتبع التكاليف وأوامر التغيير والمطالبات في الوقت الفعلي، مما يجعل السجلات أكثر شفافية ودقة، ويقلل مجال الجدال حول ما تقوله السجلات. ودمج تلك الأنظمة مع منصات إدارة العقود يمكن أن ينبه الطرفين إلى المواعيد النهائية القادمة وإلى الثغرات في التوثيق.

التدريب مهم أيضًا؛ فالبرامج المنتظمة لمديري المشاريع ومسؤولي العقود والفرق القانونية حول إجراءات الحساب النهائي والمتطلبات القانونية في دولة الإمارات تقلل احتمال النزاعات المكلفة، وتجعل التسويات أكثر سلاسة.

يعمل نور اتورنيز في قانون البناء، والقانون العقاري، وصياغة العقود، وحل النزاعات.

إخلاء مسؤولية: هذا المقال لأغراض إعلامية فقط ولا يُشكِّل مشورة قانونية.

خدمات ذات صلة

قراءات إضافية

اتصلوا بنا الآنتحدثوا مع فريقنا عبر واتساب