مجلس الفصل في نزاعات البناء في دولة الإمارات: إجراءات مجلس الفصل في النزاعات (DAB) وإطاره
المجلس قائم قبل النزاع الأول، وقراره ملزم منذ يوم صدوره
يُعيَّن مجلس الفصل في النزاعات عند بدء عقد البناء في دولة الإمارات ويفصل في النزاعات أثناء تنفيذ الأعمال. يتناول هذا المقال كيفية تشكيل المجلس، والمهلة التعاقدية لإحالة النزاع ومدة صدور قراره، وما يجب أن تتضمنه الإحالة، ولماذا يكون القرار ملزمًا لحين التحكيم، والتشريعات التي يقوم عليها المجلس التعاقدي.
روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant
يصادف مقاولٌ ظروفًا أرضية لم يحتسبها أحد. وتبدأ التكلفة الإضافية في التراكم في الأسبوع نفسه. وبموجب العقد، يجب على المقاول إخطار صاحب العمل، ثم إحالة النزاع إلى مجلس الفصل في النزاعات خلال المدة التي يحددها العقد. وتكون هذه المدة غالبًا 28 يومًا من الواقعة التي نشأ عنها النزاع، أو من تاريخ تحديد النزاع. ومن يفوّتها قد يفقد الحق في عرض النزاع على المجلس، فيُضطر إلى الاعتماد على التحكيم أو التقاضي، وهما مساران أطول وأكثر كلفة في المعتاد.
مجلس الفصل في النزاعات هيئة تُنشأ عند بدء عقد البناء لتصدر قرارات محايدة في الوقت المناسب بشأن النزاعات التي تنشأ أثناء تنفيذ الأعمال. وتتضمن النماذج القياسية للفيديك (FIDIC) وعقود البناء المحلية بشكل متزايد بنودًا لمجالس الفصل في النزاعات. وتلزم قرارات المجلس الأطرافَ من تاريخ صدورها، ما لم تُعدّلها وحتى تعدّلها هيئة تحكيم أو حكم قضائي. ويقدّم محامونا في عقود البناء المشورة بشأن تلك البنود في مرحلة الصياغة.
ذات صلة: يقدّم فريق النزاعات التجارية لدينا المشورة في هذا المجال.
المجلس قائم قبل أن يكون هناك ما يُفصل فيه
يُنشأ مجلس الفصل في النزاعات في بداية العقد، ولا يُستحدث بعد أن يشتد الخلاف. وهذا التوقيت هو جوهر الأمر. فالمجلس يرافق المشروع، ويعمل وجوده أثناء التنفيذ أداةَ رصدٍ مستمرة، تتيح له كشف المسائل الكامنة قبل أن تنضج وتتحول إلى نزاعات رسمية.
وحين يؤخر الأطراف إنشاء مجلس الفصل في النزاعات أو يغفلونه، تُترك النزاعات لتتفاقم، مما قد يؤدي إلى زيادة التكاليف. ويدعم التعيين المبكر ثقافةَ تلافي النزاعات وحلّها السريع. ويكتسي ذلك أهمية قصوى في مشاريع البنية التحتية الكبرى الخاضعة لتحديات فنية وتعاقدية معقدة.
في مشروع بنية تحتية كبير في دبي، قدّم مجلس فصل في النزاعات ثلاثي الأعضاء عُيّن مبكرًا إشرافًا مستمرًا على مراحل المشروع واعتمادات التغيير. وحين نشأ نزاع حول تأخيرات مزعومة ناجمة عن ظروف أرضية غير متوقعة، مكّنت معرفةُ المجلس السابقة بالمشروع من إصدار قرار سريع. وعدّل الأطراف الجداول الزمنية والمدفوعات دون اللجوء إلى التحكيم، واستمر المشروع.
كما أن جعل المجلس جزءًا من العقد منذ البداية يخفف التوتر الذي كثيرًا ما يطبع نزاعات البناء في دولة الإمارات. وتعمل إدارة المخاطر الاستباقية بالطريقة نفسها: تحديد النزاعات المحتملة مبكرًا، ودمج إجراءات المجلس في حوكمة المشروع، بحيث يقف حل النزاعات جنبًا إلى جنب مع إدارة المشروع والإشراف القانوني بدل أن يصل بعد فشل كليهما.
كما يساعد موقف المجلس المحايد على موازنة عدم تكافؤ القوة التفاوضية بين الأطراف، لا سيما حين تكون إحدى الجهات كيانًا حكوميًا أو مقاولًا متعدد الجنسيات. ويتيح ذلك للمقاول الأصغر الوصول إلى فاصل نزاع محايد لم يكن ليتوفر له لولاه.
فاصل واحد أو ثلاثة، ومن يعيّنهم
يتضمن تشكيل مجلس الفصل في النزاعات تعيين فاصلٍ واحد أو ثلاثة فاصلين، يتفق عليهم أطراف التعاقد مشتركين. وعند تعذر الاتفاق، يعيّنهم جهة تسمية مستقلة. ويُقصد بهذا الهيكل ضمان الحياد والخبرة المحايدة في اتخاذ القرار.
وأعضاء مجالس الفصل في النزاعات غالبًا مهنيون متمرسون ذوو خبرة فنية وقانونية ومتخصصة في القطاع. وهذا المزيج هو ما يتيح لهم تقييم النزاع بفهم لممارسات البناء وللالتزامات التعاقدية المعروضة أمامهم.
مهلة الإحالة، وثمن تفويتها
يجب إحالة النزاعات خلال مهلة تعاقدية محددة، غالبًا 28 يومًا من الواقعة التي نشأ عنها النزاع أو من تاريخ تحديده. وقد يؤدي عدم الالتزام بمواعيد الإحالة تلك إلى سقوط حق الطرف في إحالة الأمر إلى المجلس. فإدارة العقد بدقة ليست هنا مجرد ترتيب إداري؛ بل هي التي تحدد ما إذا كان هذا المسار سيبقى مفتوحًا.
وبمجرد إحالة النزاع، يكون المجلس مكلفًا بإصدار قراره خلال مدة محددة بوضوح، هي 84 يومًا في الغالب. وهذه المدة المستعجلة هي ما يجعل الآلية مفيدة: فهي تُنتج إغاثة مؤقتة ملزمة بينما لا تزال الأعمال جارية.
ويجب أن تلتزم إخطارات الإحالة والمذكرات بالمتطلبات التعاقدية والتنظيمية. ويعدّها مستشارون متمكنون في حل النزاعات وقانون البناء، مما يبقي المجلس عاملًا ضمن إطار يحترم النزاهة الإجرائية ويضيّق مجال الطعون اللاحقة فيما يقرره.
أثر الإحالة المعيبة في المطالبة
تتطلب القواعد الإجرائية المنظمة للإحالات من الأطراف تقديم مطالبات مفصلة وأدلة داعمة، حتى يتمكن المجلس من التوصل إلى قرار مبني على معرفة وافية. أما الإحالة التي تصل ناقصة فلا تصل متأخرة فحسب.
فالطرف الذي يقدّم إحالة تفتقر إلى الوثائق الفنية اللازمة، أو يتقاعس عن إعلان الطرف المقابل إعلانًا صحيحًا، يمنح المجلس سببًا لرفض النظر في النزاع أو تأجيله. والمطالبة لا تتحسن بالتأخير، ولا التوتر بين الأطراف يقل به.
القرار ملزم منذ يوم صدوره
صُممت قرارات مجالس الفصل في النزاعات لتعمل تدابير مؤقتة إلى حين الفصل النهائي بالتحكيم أو التقاضي. وهي ملزمة للأطراف من تاريخ صدورها، ما لم تُعدّلها وحتى تعدّلها هيئة تحكيم أو حكم قضائي. والطرف الذي لا يمتثل يخاطر بأن يقع في إخلال بالعقد، بما قد يترتب عليه تبعات تجارية جسيمة. وبامتثالهم السريع، يحافظ الأطراف على زخم المشروع ويخففون المخاطر المالية والتشغيلية لمشروع متوقف.
آليات التنفيذ في المحاكم الإماراتية ولدى هيئات التحكيم راسخة، ويمكن للطرف طلب الدعم القضائي أو التحكيمي لإلزام الطرف الآخر بالامتثال عند الاقتضاء. وحين تنتقل المخاطرة من المجلس إلى المحكمة، يتولى فريق النزاعات التجارية لدينا القضية.
يبقى التحكيم مفتوحًا، والقرار قائم
قرار مجلس الفصل في النزاعات إغاثة مؤقتة يجب على الأطراف الامتثال لها. وهو لا يغلق حق التحكيم في النزاع على نحو كامل. ويُقصد بهاتين المرتبتين الموازنة بين الحاجة إلى جواب سريع وبين الحق في فصل كامل في الموضوع.
ويدعم قانون التحكيم الإماراتي لسنة 2018 قابلية تنفيذ قرارات مجالس الفصل في النزاعات؛ إذ يعترف بأثرها الملزم ويوفر آليات للتنفيذ القضائي إلى حين صدور نتيجة التحكيم.
ويطعن الأطراف أحيانًا في قرار المجلس بدعوى مخالفات إجرائية أو تحيز. وقد رفضت محاكم الإمارات بشكل متزايد مثل هذه الطعون حين يكون المجلس قد عمل ضمن ولايته الإجرائية. وتُظهر القرارات الحديثة استعدادًا قضائيًا متناميًا لإقرار ما تقرره المجالس وإنفاذ الامتثال له، مع تأكيد المحاكم أهمية الحفاظ على زخم المشروع ورفضها محاولات تأخير التنفيذ عبر اعتراضات إجرائية.
كثير من مشاريع البناء في دولة الإمارات دولية الطابع، مما يجعل قابلية التنفيذ عبر الحدود مسألة مهمة. ويساعد انضمام دولة الإمارات إلى اتفاقيات دولية مثل اتفاقية نيويورك على التنفيذ العابر للحدود للقرارات التحكيمية، التي قد تشمل قرارات صادرة عن تحكيم مرتبط بمجالس الفصل في النزاعات. لذا ينبغي أن تتضمن العقود بنود تحكيم واضحة مرتبطة بإجراءات المجلس، بحيث يكون القرار النهائي سهل التنفيذ في أكثر من ولاية قضائية.
تقديم قضية يستطيع المجلس الفصل فيها فعلًا
يجب على الأطراف إعداد تقارير فنية مفصلة وتحليلات تعاقدية وإفادات شهود مصممة وفق خبرة المجلس وتوقعاته الإجرائية. وينبغي أن تتواءم المذكرات والجلسات مع الجدول الزمني الإجرائي للمجلس؛ فالتأخير أو عدم الامتثال يقوّض موقف الطرف نفسه.
تثبت تقارير الخبراء جدواها حين توضح المسائل الفنية المعقدة للمجلس. وتحافظ العروض الموجزة المركزة على تركيز المجلس في صميم المسائل المتنازع عليها بدل حجم الأوراق، وذلك يميل إلى إنتاج قرار أسرع وأكثر إنصافًا.
فعلى سبيل المثال، ينبغي لمقاول الباطن الذي يواجه مقاولًا رئيسيًا مهيمنًا أن يقدّم أدلة واضحة قابلة للتحقق وأن يتجنب المفاوضات غير الرسمية التي قد تضر بموقفه. ويمكن للمستشارين المهرة في صياغة العقود والتحكيم الدولي استباق الحجج المضادة قبل أن تُطرح.
التشريعات التي يقوم عليها المجلس التعاقدي
تُنشأ مجالس الفصل في النزاعات بالاتفاق في الغالب، لكنها لا تعمل خارج القانون الإماراتي. فالقانون الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 (قانون المعاملات المدنية) والقانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 (قانون التحكيم) يوفران المبادئ التأسيسية المنظمة للعقود وحل النزاعات، ويؤكدان قابلية تنفيذ قرارات مجالس الفصل في النزاعات ضمن الإطار التعاقدي.
ويفرض قانون المعاملات المدنية حسن النية والتعامل المنصف، ويسري هذا الاشتراط على تفسير بنود مجالس الفصل في النزاعات. ويُكمل قانون التحكيم الإطار بتوفير آليات تنفيذ للقرارات التحكيمية التي تؤكد قرار المجلس أو تعدّله. أما عقود الفيديك (FIDIC)، واسعة الاستخدام في مشاريع الإمارات، فتنص صراحة على استخدام مجالس الفصل في النزاعات وتحدد كيفية عملها.
ويُلزم الإطار أيضًا الأطراف بالتقيد الصارم بالمتطلبات الإجرائية، مثل المواعيد وشكل الإخطارات، وكثيرًا ما تطبق محاكم الإمارات تلك المتطلبات بصرامة. وقد يؤدي عدم الامتثال إلى رفض الدعاوى أو طلبات التنفيذ. وحين يتضمن العقد بندًا لمجلس الفصل في النزاعات إلى جانب بنود أخرى لحل النزاعات، بما فيها أحكام التحكيم والتقاضي، يلزم بيان العلاقة بينها بوضوح، بحيث يتحدد دور المجلس وتتسق قراراته مع ما يليها. ويصوغ فريق عقود البناء لدينا تلك البنود ويراجعها.
هذه المقالة لأغراض إعلامية فقط ولا تشكل استشارة قانونية.
موارد إضافية
استكشف المزيد من رؤانا حول الموضوعات ذات الصلة: