دعاوى الاستحالة في التحكيم في الإمارات: عندما يصبح تنفيذ العقود مستحيلاً
لماذا تعفي هيئة التحكيم من التنفيذ الذي أصبح مستحيلاً، ولا تعفي من التنفيذ الذي لم يزدد إلا كلفةً
تدور دعاوى الاستحالة في التحكيم الإماراتي حول سؤال ضيق: هل أصبح التنفيذ مستحيلاً، أم أنه لم يزدد إلا صعوبة؟ تبين هذه المقالة أحكام القانون المدني بشأن الاستحالة الطارئة، والحد الذي يجب على المدعي بلوغه، والأدلة التي يستخدمها المدعى عليه للرد على مثل هذه الدعوى، وخيارات الصياغة التي تحسم معظمها مسبقاً.
روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant
يحدث بعد التوقيع أمرٌ لم يحسب أيٌّ من الطرفين حسابه، فيتوقف أحد الطرفين عن التنفيذ. ثم يدّعي أن العقد قد أصابته الاستحالة: فالتنفيذ لم يعد مجرد أصعب أو أكثر كلفة، بل أصبح مستحيلاً. ويقاوم الطرف الآخر ذلك سعياً للإبقاء على العقد قائماً. ويضع القانون الإماراتي معايير صارمة لهذه الحجة، وتطبّقها هيئة التحكيم بصرامة.
ما الذي يعفي منه القانون المدني
يوفّر القانون المدني الإماراتي الإطار القانوني الأساسي الذي يحكم العقود وقابليتها للتنفيذ، بما في ذلك نظريتي الاستحالة واستحالة التنفيذ. وتتناول المادتان 246 و247 الحالات التي تصبح فيها العقود مستحيلة التنفيذ بسبب أحداث غير متوقعة، وهو ما يُشار إليه غالباً بالاستحالة الطارئة أو القوة القاهرة. فإذا حالت قوة غير متوقعة دون التنفيذ، جاز إعفاء الطرف المتضرر من التزاماته. ويتطلب إعفاء التنفيذ تحليلاً واقعياً وقانونياً مفصلاً للحدث.
يفرّق القانون بين الاستحالة الدائمة والاستحالة المؤقتة. فتجيز المادة 249 إنهاء العقد إذا كان سبب الاستحالة دائماً، وتجيز المادة 246 تعليق الالتزامات إذا كانت الاستحالة مؤقتة. ويمكن للحدث نفسه بالتالي أن يُنهي العقد أو يوقفه مؤقتاً، بحسب ما إذا كان سببه دائماً.
ترتبط الاستحالة في القانون الإماراتي ارتباطاً وثيقاً بالقوة القاهرة، التي كثيراً ما يدرجها الأطراف في عقودهم كشروط صريحة. وقد تحدد هذه الشروط الأحداث المعينة التي تُعد قوة قاهرة، وآثارها في الالتزامات، والإجراءات الواجب اتباعها. ويتعين حينئذ قراءة الأحكام القانونية وشروط القوة القاهرة التعاقدية معاً، وعلى هيئة التحكيم أن تفسّر نوايا الأطراف إلى جانب أثر الحدث الطارئ.
المعيار هو الاستحالة لا الكلفة
تقيّم المحاكم الإماراتية وهيئات التحكيم بصرامة ما إذا كان الحدث الطارئ غير متوقع حقاً وخارجاً عن سيطرة الأطراف. ويجب أن يغيّر الحدث التوازن التعاقدي تغييراً جوهرياً بحيث يجعل التنفيذ مستحيلاً بصورة موضوعية لا مجرد أكثر إرهاقاً أو كلفة. وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن القانون الإماراتي لا يقبل عموماً دعاوى المشقة ما لم تبلغ حد الاستحالة.
ما الذي يتعين على المدعي إثباته
الخطوة الأولى هي الحدث الطارئ ذاته: طبيعته وتوقيته وأثره في الالتزامات التعاقدية. ويجب أن يُظهر الدليل أن الحدث كان غير متوقع وخارجياً، وأنه جعل التنفيذ مستحيلاً بصورة موضوعية. ولا يجوز التمسك بدعاوى الاستحالة باستخفاف أو دون سند إثباتي رصين.
وقبل الاعتماد على النظرية العامة، ينبغي للمدعي أن يحلل أحكام القوة القاهرة في العقد ليرى ما إذا كان الحدث الطارئ يندرج تحت شروط العقد. فإذا وُجد شرط من هذا القبيل، فإنه يتيح في الغالب طريقاً مباشراً إلى الإعفاء دون اللجوء إلى نظرية الاستحالة الأوسع. أما إذا كان العقد صامتاً أو غامضاً بشأن القوة القاهرة، فيجب أن تستند الحجة إلى الأحكام القانونية وإلى التفسيرات الفقهية والقضائية.
ويتعين على المدعي أيضاً أن يتوقع الطعن القائل بأن التنفيذ لم يكن مستحيلاً حقاً بل كان مجرد أصعب أو أكثر كلفة. وينبغي أن يجيب السرد الواقعي عن هذه الحجة لا أن يتجنبها، بشهادة خبير أو أدلة مستندية توضح أثر الحدث في تنفيذ العقد.
ويُشكّل الإجراء الدعوى أيضاً. فعلى الأطراف أن ينتبهوا إلى الديناميكيات الإجرائية، بما في ذلك معايير الإثبات وتشكيل هيئة التحكيم. وقد تتردد هيئات التحكيم في قبول الاستحالة حيث تحمّل الأطراف مخاطر معينة، أو حيث توجد قرائن على محاولات إعادة التفاوض التعاقدي.
ومن المجدي التمسك بموقف احتياطي: مطالبة بإعادة التفاوض أو تعديل الشروط التعاقدية بموجب نظريات المشقة. ويبقى قبول دعاوى المشقة في القانون الإماراتي محدوداً، غير أن الدعوى التي تتناول الاستحالة والمشقة معاً تتعزز بالطبقة الثانية.
توزيع المخاطر والتنفيذ البديل والسلوك
وعلى المدعى عليه أن يفكك أدلة المدعي ليُثبت أن الحدث الطارئ المزعوم لم يجعل التنفيذ مستحيلاً بل مجرد أكثر إرهاقاً. ويعني ذلك عادة تقديم تفسير بديل للعقد وللأحداث محل النزاع.
فإذا كان العقد يوزع صراحة مخاطر أحداث معينة على المدعي، أو يتضمن أحكام قوة قاهرة تستبعد الحدث، جاز للمدعى عليه أن يدفع بأن المدعي يحاول الالتفاف على شروط متفق عليها. وتتطلب هذه الحجة تحليلاً مفصلاً لصياغة العقد وتاريخ مفاوضاته.
وهناك خط دفاع آخر هو التنفيذ البديل. فالدليل على أن المدعي كانت لديه القدرة على التنفيذ بوسائل أخرى، كتوريد المواد أو الخدمات من موردين أو جهات اختصاص مختلفة، يلاقي الدعوى على أرضها. ويُعد إثبات أن التنفيذ كان غير عملي تجارياً لا مستحيلاً بصورة موضوعية أمراً حاسماً، وكثيراً ما يستند إلى تقارير الخبراء وتحليلات السوق.
ويجوز للمدعى عليه أيضاً أن يدفع بأن سلوك المدعي ساهم في الاستحالة المزعومة، أو أن المدعي أخفق في اتخاذ خطوات معقولة للتخفيف من أثر الحدث الطارئ. وتستند هذه الحجة إلى واجب حسن النية والتنفيذ المسبق في القانون الإماراتي. ويمكن للمدعى عليهم كذلك الطعن في مقبولية الأدلة أو كفايتها والتشكيك في مصداقية الشهود.
ما حسمه العقد قبل وقوع الحدث
تلعب طريقة صياغة العقد دوراً كبيراً في مدى قابلية دعوى الاستحالة للنجاح. فشروط القوة القاهرة والمشقة الواضحة والمفصلة يمكن أن تؤثر تأثيراً كبيراً في نتيجة النزاعات التي تنطوي على استحالة طارئة. أما الشروط الغامضة أو الصامتة فتفضي بدلاً من ذلك إلى نزاعات مطولة تضطر فيها هيئة التحكيم إلى تفسير الإطار القانوني.
إن شرط القوة القاهرة الذي يحدد أنواع الأحداث المشمولة ومتطلبات الإخطار وسبل الانتصاف يضع خارطة طريق تعاقدية يمكن لهيئات التحكيم اتباعها. وهذا الوضوح يقلل حالة عدم اليقين ويحد من نطاق دعاوى الاستحالة، لأن العقد قد حدد سلفاً نطاق الأحداث التي يمكن أن تعيق التنفيذ وعواقبها.
وتُهمّ شروط حل النزاعات أيضاً. فالشرط الذي يسمي مؤسسة التحكيم وقواعدها ومقر التحكيم يؤثر في الديناميكيات الإجرائية لدعوى الاستحالة. وتتيح مراكز التحكيم المتخصصة ذات الخبرة في النزاعات التجارية والإنشائية لهيئات التحكيم إجراء تحليل مفصل لدعاوى الاستحالة والمشقة.
ويحمل اختيار القانون الواجب التطبيق وزناً مماثلاً. فنهج القانون الإماراتي إزاء الاستحالة واستحالة التنفيذ يتباين مع جهات اختصاص أخرى قد تعتمد نظريات مشقة أوسع. ويتعين بالتالي على العقد الخاضع للقانون الإماراتي أن يوزع المخاطر وأن يضع آليات الإعفاء مع مراعاة النطاق المحدود لدعاوى المشقة.
كما تشجع العقود محكمة الصياغة الأطراف على إعادة التفاوض، أو على اللجوء إلى خطوة أخرى لحل النزاع، قبل الذهاب إلى التحكيم. وتتيح بروتوكولات التدخل وشروط الوساطة وإجراءات التصعيد مسارات بديلة قد تحل مسألة الاستحالة مبكراً.
يقدم نور اتورنيز الإرشاد والتمثيل في مجال التحكيم وقانون العقود في دولة الإمارات.
خدمات ذات صلة: استكشف خدماتنا في التحكيم للحصول على دعم قانوني عملي في هذا المجال.
إخلاء مسؤولية: هذه المقالة لأغراض إعلامية فقط ولا تشكل استشارة قانونية.
خدمات ذات صلة
موارد إضافية
استكشف المزيد من رؤانا حول موضوعات ذات صلة: