الإفصاح في التحكيم في دولة الإمارات: إبراز المستندات وجمع الأدلة
ما يمكن لهيئة التحكيم أن تأمر به، وما يجب على الخصم إثباته قبل أن تأمر به
لا يمنح التحكيم في دولة الإمارات حقًا تلقائيًا في الاطلاع على مستندات الطرف الآخر. يبيّن هذا المقال ما يتركه القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 والمادة 25 لهيئة التحكيم، وما تشترطه قواعد الرابطة الدولية للمحامين (IBA) على الطرف الطالب إثباته، وكيف يضيّق جدول ريدفيرن نطاق الجدل، وكيف تُدار عملية الإفصاح الإلكتروني والامتياز والسرية.
روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant
قد يجد الخصم القادم إلى تحكيم في دولة الإمارات من محكمة تتبع نظام القانون العام أن ما هو متاح له من ملف الطرف الآخر أقل مما اعتاد عليه. فالإفصاح في التحكيم في دولة الإمارات غالبًا ما يكون أضيق نطاقًا مما هو عليه في ولايات قضائية أخرى، ولا سيما دول القانون العام التي تجيز تقليديًا إفصاحًا واسعًا. فالمستندات لا تُبرَز لمجرد أن طرفًا يرى نفسه مستحقًا لها، بل تُبرَز لأن الطلب كان محددًا، ولأن صلته بالنزاع أُثبتت، ولأن هيئة التحكيم أمرت بذلك.
تمزج البيئة القانونية للتحكيم في دولة الإمارات بين تقاليد القانون المدني وتأثيرات القانون العام. وإرادة الأطراف والسلطة التقديرية لهيئة التحكيم، لا حق عام في الإفصاح، هما اللذان يحددان مدى إبراز المستندات. كما تؤثر القواعد الإجرائية للمؤسسة التي تدير القضية في مدى الإبراز وطريقته.
أين تكمن سلطة الأمر بالإبراز
يُقنّن القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 في شأن التحكيم القواعد المتعلقة بإجراءات التحكيم التي تُجرى في نطاق ولايته. وعلى خلاف كثير من ولايات القانون العام، لا ينص على حقوق إفصاح واسعة على غرار القواعد الاتحادية الأمريكية للإجراءات المدنية، بل يؤكد إرادة الأطراف وسلطة هيئات التحكيم التقديرية في الأمر بإبراز المستندات وجمع الأدلة.
تمنح المادة 25 المحكمين سلطة تحديد مقبولية الأدلة المقدمة وصلتها بالنزاع وجوهريتها وقيمتها الثبوتية. ولا يستطيع الأطراف تلقائيًا إلزام الطرف الآخر بإفصاح واسع عن المستندات، بل يجب عليهم إثبات صلة مستندات محددة بالنزاع وضرورتها، بعبارات دقيقة ومركزة. ويميل الإطار الإجرائي إلى نهج أكثر تحفظًا إزاء الإفصاح، بهدف تجنب النزاعات المطولة وتسريع الفصل فيها.
يُعد دور هيئة التحكيم في إدارة إبراز المستندات دورًا محوريًا. فالمحكمون يتصرفون بوصفهم قضاة محايدين يجب عليهم إصدار قرارات في مسائل الإثبات تمنع الطلبات التعسفية أو المفرطة الاتساع، مع ضمان تمكن الأطراف من الوصول إلى ما يلزمهم من أدلة. وللهيئة أن تأمر بإبراز المستندات، مع مراعاة الاعتراضات المؤسسة على الامتياز أو السرية. ويترك ذلك هامشًا كبيرًا من السلطة التقديرية، يتعين على الأطراف توقعه عند صياغة طلباتهم.
تعتمد مؤسسات مثل مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC)، الذي بات يدير القضايا التي كانت تُحال سابقًا إلى مركز التحكيم التابع لمركز دبي المالي العالمي DIFC-LCIA، ومنصة «arbitrateAD» في أبوظبي، قواعد إجرائية تؤثر في مدى إبراز المستندات وطريقته. ويُعد مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) من المؤسسات التي تدمج قواعد الرابطة الدولية للمحامين (IBA) بشأن الاستيثاق في قواعدها الإجرائية بالإحالة أو بالتوصية. ويوصف عمل المكتب في هذه النزاعات على صفحة خدمات التحكيم الدولي لدينا.
ما تشترط قواعد الرابطة الدولية للمحامين (IBA) على الطرف الطالب إثباته
أصبحت قواعد الرابطة الدولية للمحامين (IBA) بشأن الاستيثاق شبه معيار في التحكيم الدولي، بما في ذلك في دولة الإمارات، حيث كثيرًا ما تدمجها القواعد المؤسسية أو توصي بتطبيقها. وهي توفر آلية إجرائية مفصلة لإبراز المستندات، وإطارًا يوازن بين تقاليد القانون المدني السائدة في المنطقة وإجراءات الإثبات على النمط المتبع في القانون العام.
وبموجب قواعد الرابطة الدولية للمحامين (IBA)، يجب على الطرف طالب المستندات أن يصف بوضوح المستندات المطلوبة، وأن يشرح صلتها بالنزاع وجوهريتها، وأن يثبت أنها ليست في حيازته أصلًا. ويهدف هذا الشرط إلى استبعاد الطلبات المفرطة الاتساع التي قد تفرض خلاف ذلك أعباء غير متناسبة. وللطرف المطلوب منه الإبراز أن يعترض عليه لأسباب منها الامتياز أو السرية أو عدم الصلة، ثم تفصل هيئة التحكيم في تلك الاعتراضات.
كما تشجع القواعد هيئة التحكيم على مراعاة التناسب والجدوى من حيث التكلفة عند الأمر بالإبراز. ولهذا التوازن أهميته في سياق التحكيم في دولة الإمارات، الذي يُقدّر السرعة والعملية التجارية. لذا يجب على الأطراف أن يجعلوا طلباتهم محددة ومتناسبة، وأن يتجنبوا طلبات الجس والتحري التي ترجّح هيئة التحكيم رفضها. وتُعد صياغة تلك الطلبات والرد عليها جزءًا من أعمال الإفصاح في ممارستنا في مجال التحكيم.
جدول ريدفيرن يضع كل طلب إلى جوار رده
من الأدوات المحورية في هذه العملية جدول ريدفيرن (Redfern Schedule)، الذي يستخدمه الأطراف لتحديد طلبات إبراز المستندات والرد عليها بصورة منهجية. فهو يدرج كل مستند أو فئة من المستندات المطلوبة، إلى جانب رد الطرف المطلوب منه الإبراز وأسباب الاعتراض إن وجدت. وما ينتج عنه هو تبادل منظم بين الأطراف وهيئة التحكيم.
ويتيح الجدول للأطراف عزل النزاعات الحقيقية المتعلقة بإبراز المستندات، ويمكّن هيئات التحكيم من الفصل فيها بكفاءة. فتكتيكات مثل الرفض المطلق أو الردود المراوغة يصعب التمسك بها عندما يكون نطاق كل طلب والاعتراض عليه مجمعين في مكان واحد. ويستخدم المحامون المعتمدون على طلبات مصاغة بدقة هذا الجدول لتوضيح ما تبقى محل نزاع وتضييق نطاقه.
الأدلة الإلكترونية تُدار وفق بروتوكولات يضعها الأطراف
يتضمن الإفصاح الإلكتروني تحديد المعلومات المخزنة إلكترونيًا (ESI) وحفظها وجمعها وإبرازها، وقد تشمل رسائل البريد الإلكتروني وقواعد البيانات ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من السجلات الرقمية. ولا ينص قانون التحكيم الإماراتي صراحة على قواعد إجرائية مفصلة بشأن الإفصاح الإلكتروني، ولذلك يضع الأطراف بصورة متزايدة بروتوكولات لمعالجة تعقيداته.
ويمكن للأطراف اللجوء إلى اتفاقات إفصاح إلكتروني مصممة خصيصًا أو أوامر إجرائية تحدد نطاق إبراز المستندات الإلكترونية وشكلها وتوقيتها. وعليهم مواجهة تحديات مثل حجم البيانات وشواغل الخصوصية وقوانين حماية البيانات المعمول بها في دولة الإمارات. فالأنظمة الإماراتية لحماية البيانات تفرض قيودًا على نقل البيانات الشخصية عبر الحدود، وهو ما يجب مراعاته عند صياغة أي بروتوكول.
ويتفرع عن ذلك العمل العملي. فعلى المحامين تقييم حجم المستندات الإلكترونية وطبيعتها، وتصميم تدابير حفظ البيانات، والامتثال للأنظمة الإماراتية المعمول بها في شأن أمن البيانات وخصوصيتها. وقد تحسّن أدوات المراجعة بمساعدة التقنية والخبراء الجنائيون الكفاءة مع الحد من خطر إبراز ناقص أو غير ممتثل. ويُعد الإفصاح الإلكتروني مما يجب أن تتناوله خطة الإفصاح التي يضعها محامو التحكيم لدينا.
الامتياز يجب التمسك به وإثباته
يعترف قانون التحكيم الإماراتي بمبدأ سرية إجراءات التحكيم. أما ادعاءات الامتياز، مثل الامتياز بين المحامي وموكله، فليست مقننة صراحة، وكثيرًا ما تتوقف على القانون الموضوعي الواجب التطبيق أو على مقر التحكيم. ويجب على الأطراف التمسك بالامتياز بدقة، وأن يقدموا لهيئة التحكيم أسسًا كافية لإقرار تلك الادعاءات، وذلك غالبًا عن طريق سجلات الامتياز المدمجة في جدول ريدفيرن.
وكثيرًا ما يتنازع الأطراف في ادعاءات الامتياز وحدود السرية. وعلى المحامين تقديم الحجج والمذكرات الإجرائية التي تدعم تلك الادعاءات أو تطعن فيها، موازنين بين الانفتاح في جمع الأدلة وحماية المصالح المشروعة في السرية. وتوقع الطعن في ادعاء الامتياز يمكن أن يمنع النزاع من التفاقم وإحداث تأخير.
أوامر السرية واستخدام ما يُبرَز من مستندات
تُستخدم أوامر السرية على نطاق واسع لحماية المعلومات الحساسة التي تُبرَز أثناء التحكيم. فهي تضمن استخدام الأدلة لأغراض التحكيم وحده وعدم إفشائها إلى أطراف ثالثة. وهي تعالج أيضًا القلق من انكشاف معلومات تجارية حساسة أو مملوكة، الأمر الذي قد يثني الطرف خلاف ذلك عن الامتثال الكامل لطلبات إبراز المستندات. وتُعد إدارة ادعاءات الامتياز وأوامر السرية أمرًا جوهريًا للحفاظ على سلامة المعلومات الحساسة مع موازنة حق الطرف المقابل في الاطلاع على الأدلة.
اطلب أقل، واطلب أبكر
يجب على الفرق القانونية أن تجعل جمعها للأدلة دقيقًا ومتناسبًا ومتكيفًا مع قيود قانون التحكيم الإماراتي والقواعد المؤسسية. وعلى الأطراف تحديد المستندات الجوهرية مبكرًا وتبرير صلتها بالنزاع بوضوح. فالطلبات الغامضة أو المفرطة الاتساع معرضة للرفض من هيئات تحكيم تحرص على الكفاءة الإجرائية. والتواصل المبكر مع هيئة التحكيم بشأن نطاق الإفصاح، واستخدام أدوات مثل جدول ريدفيرن، يمكن أن يجعل العملية أكثر تنظيمًا.
وعلى الأطراف أيضًا بناء أنظمة صارمة لإدارة الامتياز والسرية، تشمل سجلات امتياز مفصلة، وأوامر سرية متفاوضًا عليها، وفهمًا لدقائق قوانين حماية البيانات والخصوصية الإماراتية. كما أن فهم السلطة التقديرية لهيئة التحكيم وتفضيلاتها الإجرائية يمكن أن يوجه كيفية صياغة الطلبات والردود.
إن التواصل مع مؤسسات التحكيم مثل مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) أو منصة «arbitrateAD» في وقت مبكر من العملية يوائم النهج مع متطلباتها الإجرائية ويعظم قابلية أوامر إبراز المستندات للتنفيذ. وهذا التخطيط، الممتد عبر إبراز المستندات والإفصاح الإلكتروني وجمع الأدلة، هو العمل الموصوف على صفحة التحكيم الدولي في دبي لدينا.
أما التقاضي أمام المحاكم فيسلك طريقًا مختلفًا في الإفصاح، وتتناول صفحة التقاضي التجاري لدينا ذلك العمل. وللتخطيط لإبراز المستندات والإفصاح الإلكتروني وجمع الأدلة في تحكيم بدولة الإمارات، تحدث إلى محامي الشركات والأعمال لدينا أو راجع صفحة خدمات التحكيم.
خدمات ذات صلة: راجع صفحة التحكيم لدينا.
هذا المقال لأغراض إعلامية فقط ولا يشكل استشارة قانونية. يُرجى استشارة محامٍ مؤهل للحصول على إرشاد محدد بشأن حالتك.
القواعد والتشريعات المشار إليها هنا
- قواعد الرابطة الدولية للمحامين (IBA) بشأن الاستيثاق في التحكيم الدولي
- قواعد تحكيم مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC)
- قواعد تحكيم مركز التحكيم التابع لمركز دبي المالي العالمي DIFC-LCIA (ملغاة؛ أصبحت القضايا تُدار الآن بواسطة مركز دبي للتحكيم الدولي DIAC)
- قانون التحكيم الاتحادي الإماراتي رقم (6) لسنة 2018