لوائح استدامة الطيران في الإمارات: CORSIA والوقود المستدام
كيف تنظم الإمارات استدامة الطيران، من رصد الهيئة العامة للطيران المدني للانبعاثات والتعويض بموجب خطة CORSIA إلى سياستها بشأن وقود الطيران المستدام.
كيف تنظم الإمارات استدامة الطيران، من رصد الهيئة العامة للطيران المدني للانبعاثات والتعويض بموجب خطة CORSIA إلى سياستها بشأن وقود الطيران المستدام.
روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant
لوائح استدامة الطيران في الإمارات: نظام الرصد والإبلاغ والتحقق وCORSIA والوقود المستدام
الخدمات ذات الصلة: تعرّفوا على خدماتنا في قانون الطيران وخدمات الاستشارات الضريبية للحصول على دعم قانوني عملي في هذا المجال.
مقدمة حول استدامة الطيران في الإمارات
أحدثت دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً كبيراً في نهجها تجاه استدامة الطيران في الإمارات، إذ تعمل على بناء إطار تنظيمي شامل يتوافق مع الأهداف المناخية العالمية.
ولا يقتصر الأمر على تعديل في السياسات، بل هو إعادة توجيه استراتيجية لقطاع الطيران الوطني، تهدف إلى الحد من أثره البيئي والحفاظ على قدرته التنافسية في اقتصاد عالمي تفرض فيه قيود الكربون نفسها.
وتقود الهيئة العامة للطيران المدني في الدولة (GCAA) هذا الجهد من خلال استراتيجية متعددة المحاور، تشمل الإدارة المتقدمة للحركة الجوية، وتشجيع استخدام وقود الطيران المستدام (SAF)، وتطبيق خطة التعويض عن الكربون وخفضه للطيران الدولي (CORSIA).
ويعكس هذا الموقف التنظيمي الحازم التزام الإمارات بالفصل بين النمو الاقتصادي وانبعاثات الكربون، ويضع نموذجاً جديداً للطيران الأخضر في الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى المشغلين في هذه الدولة، فإن فهم تفاصيل هذا المشهد القانوني المتطور ليس مسألة مسؤولية اجتماعية للشركات، بل هو عنصر أساسي في استمرارية العمليات والنجاح على المدى الطويل.
وتتطلب التحديات البيئية العالمية استجابة استباقية ومدروسة، وهي استجابة تعمل الإمارات على تطويرها بفاعلية. وتتجاوز الرؤية الوطنية حدود الامتثال، إذ تسعى إلى ترسيخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً للابتكار والتميز في الطيران المستدام، بما يمنحها ميزة تنافسية في السوق الدولية.
الإطار القانوني لاستدامة الطيران في الإمارات
يجمع الإطار القانوني الذي ينظم استدامة الطيران في الإمارات بين المراسيم الاتحادية ولوائح الهيئة العامة للطيران المدني والاتفاقيات الدولية. وتقع في صميمه الهيئة العامة للطيران المدني، وهي الجهة الاتحادية المختصة بتنظيم جميع أنشطة الطيران المدني.
وقد وُسّعت صلاحيات الهيئة لتشمل بناء منظومة طيران مستدامة، وهي تضطلع بهذه المسؤولية من خلال سلسلة من التعاميم واللوائح التي تترجم الأهداف المناخية الوطنية للدولة إلى واقع عملي.
ومن العناصر المحورية في هذا الإطار الخطة الوطنية للتغير المناخي لدولة الإمارات 2017-2050، التي تحدد الطموح العام لخفض الانبعاثات في جميع القطاعات، ومنها قطاع الطيران. وتُستكمل هذه الخطة بالمبادرة الاستراتيجية للحياد المناخي 2050، وهي توجه وطني لتحقيق الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2050، بما يجعل الإمارات أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحقق ذلك.
الالتزامات الدولية
على الصعيد الدولي، تُعد الإمارات من الدول الموقعة على اتفاقية شيكاغو، وتشارك بفاعلية في منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). ويُلزم هذا الالتزام الدولة باعتماد وتطبيق القواعد والممارسات الموصى بها الصادرة عن المنظمة، بما فيها تلك المتعلقة بحماية البيئة.
وأبرز هذه القواعد خطة CORSIA التي تبنتها الإمارات بفاعلية. وقد طورت الهيئة العامة للطيران المدني نظاماً متيناً لرصد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الرحلات الدولية والإبلاغ عنها والتحقق منها، وهو متطلب أساسي للامتثال لخطة CORSIA.
كما قدمت الإمارات خطة عملها الوطنية إلى منظمة الطيران المدني الدولي، والتي تحدد التدابير المحددة التي تتخذها لخفض انبعاثات الطيران. وتشمل هذه التدابير تحديث إدارة الحركة الجوية، وتحسين تقنيات الطائرات وعملياتها، وتطوير سوق محلية لوقود الطيران المستدام.
وقد صُمم هذا الإطار ليكون شاملاً ومرناً في آن واحد، بحيث يمكن دمج التقنيات والأساليب الجديدة فور توفرها. وتعمل الهيئة العامة للطيران المدني بتنسيق وثيق مع الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية الأخرى، ومنها وزارة التغير المناخي والبيئة ووزارة الطاقة والبنية التحتية، لضمان نهج متسق وفعال في تنفيذ السياسات.
المتطلبات والإجراءات الرئيسية
يتطلب الامتثال للوائح استدامة الطيران في الإمارات فهماً تفصيلياً لعدد من المتطلبات والإجراءات الرئيسية، التي صُممت لضمان مساهمة جميع المشغلين في تحقيق الأهداف العامة للقطاع في خفض الانبعاثات. وقد وضعت الهيئة العامة للطيران المدني نظاماً يتسم بالصرامة والشفافية معاً، ويفرض التزامات محددة على الناقلات الجوية وغيرها من الأطراف المعنية.
الرصد والإبلاغ والتحقق (MRV)
يُعد النظام الصارم لرصد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والإبلاغ عنها والتحقق منها ركيزة أساسية في الإطار التنظيمي للإمارات. ويتعين على جميع شركات الطيران التي تتخذ من الإمارات مقراً لها وتشغّل رحلات دولية إعداد خطة لرصد الانبعاثات (EMP) وتطبيقها.
ويجب أن تحدد هذه الخطة منهجية جمع بيانات استهلاك الوقود لكل رحلة، والتي تُستخدم بعد ذلك لحساب الانبعاثات السنوية من ثاني أكسيد الكربون. وتقدم الهيئة العامة للطيران المدني إرشادات محددة بشأن أساليب الرصد المقبولة، التي قد تقوم على استخدام الوقود أو على أسلوب تقدير مبسط للمشغلين الأصغر حجماً. ويتطلب أسلوب استخدام الوقود، وهو الأكثر دقة، تتبع كميات الوقود المزوّدة، والوقود الموجود في الخزانات في بداية كل رحلة ونهايتها، واستهلاك الوقود.
وبعد تجميع بيانات الانبعاثات السنوية، يجب أن تتحقق منها جهة تحقق خارجية معتمدة قبل تقديمها إلى الهيئة العامة للطيران المدني. ويضمن هذا التحقق المستقل دقة البيانات المُبلغ عنها وسلامتها، وهو أمر بالغ الأهمية لحسن سير خطة CORSIA. وتشمل عملية التحقق مراجعة شاملة لأنظمة جمع البيانات وإدارتها لدى شركة الطيران، إضافة إلى تقييم قائم على المخاطر لبيانات الانبعاثات المُبلغ عنها.
وقد يؤدي عدم الامتثال لمتطلبات الرصد والإبلاغ والتحقق إلى عقوبات مالية كبيرة وقيود تشغيلية، ومن ذلك احتمال أن تصدر الهيئة العامة للطيران المدني رقماً تقديرياً للانبعاثات بحق المشغل غير الملتزم، ويكون هذا الرقم عادةً متحفظاً وأعلى.
خطة التعويض عن الكربون وخفضه للطيران الدولي (CORSIA)
بصفتها من أوائل المشاركين في خطة CORSIA، تُلزم الإمارات شركات الطيران التابعة لها بالتعويض عن جزء من انبعاثاتها الناتجة عن الرحلات الدولية. وتُحتسب التزامات التعويض استناداً إلى عامل النمو القطاعي الذي تحدده منظمة الطيران المدني الدولي.
ويتعين على شركات الطيران شراء وحدات انبعاثات مؤهلة، مثل أرصدة الكربون، من سوق الكربون العالمية وإلغاؤها للوفاء بمتطلبات التعويض. وقد أنشأت الهيئة العامة للطيران المدني سجلاً لتتبع شراء هذه الوحدات وإلغائها، بما يضمن عملية شفافة وخاضعة للمساءلة. ويجري تطبيق الخطة على مراحل، مع تزايد صرامة الالتزامات تدريجياً بمرور الوقت.
كما تعمل الإمارات بفاعلية على دراسة تطوير سوق محلية للكربون، قد توفر مصدراً محلياً لأرصدة تعويض عالية الجودة لقطاع الطيران. ويهدف هذا النهج إلى التعويض عن أثر نمو الطيران على المناخ.
ويُعد إنشاء سجل وطني للكربون خطوة رئيسية في هذا الاتجاه، إذ سيوفر البنية التحتية اللازمة لتداول أرصدة الكربون وتتبعها داخل الإمارات. ولن يسهّل ذلك امتثال شركات الطيران فحسب، بل سيشجع أيضاً الاستثمار في مشاريع خفض الانبعاثات المحلية.
وقود الطيران المستدام (SAF)
حددت الإمارات التوسع في استخدام وقود الطيران المستدام مساراً حاسماً لإزالة الكربون من قطاع الطيران. وقد أصدرت الحكومة السياسة العامة لوقود الطيران المستدام، التي تهدف إلى ترسيخ مكانة الإمارات مركزاً إقليمياً لإنتاج هذا الوقود وتوريده.
ورغم أن إلزاماً محدداً باستخدام وقود الطيران المستدام لا يزال قيد الإعداد، فإن السياسة تعبّر عن نية الحكومة الواضحة في تهيئة بيئة داعمة لهذا الوقود. ويشمل ذلك حوافز لإنتاجه، والاستثمار في البحث والتطوير، وتبسيط إجراءات الموافقة التنظيمية على مسارات الإنتاج الجديدة.
وتُشجَّع شركات الطيران على إبرام اتفاقيات شراء مع منتجي وقود الطيران المستدام لإظهار الطلب والحد من مخاطر الاستثمار في منشآت الإنتاج الجديدة. ويلخص الجدول أدناه المسارات الرئيسية لإنتاج هذا الوقود وخصائصها.
| مسار إنتاج وقود الطيران المستدام | المادة الأولية | إمكانية خفض غازات الدفيئة | مستوى الجاهزية التقنية (TRL) |
|---|---|---|---|
| الإسترات والأحماض الدهنية المعالجة بالهيدروجين (HEFA) | زيت الطهي المستعمل، الدهون الحيوانية | 50-85% | 9 (تجاري) |
| فيشر-تروبش (FT) | النفايات البلدية الصلبة، الكتلة الحيوية | 75-95% | 7-8 (تجريبي/تجاري) |
| تحويل الكحول إلى وقود نفاث (ATJ) | السكريات، النشويات، اللجنوسليلوز | 60-80% | 7-8 (تجريبي/تجاري) |
| تحويل الطاقة إلى سوائل (PtL) / الوقود الإلكتروني | الكهرباء المتجددة، ثاني أكسيد الكربون | 90-99% | 5-6 (نموذج أولي/تجريبي) |
وينطوي تطوير صناعة محلية لوقود الطيران المستدام على عدة تحديات، منها ارتفاع تكلفة الإنتاج، ومدى توفر المواد الأولية المستدامة، والحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية.
غير أن الإمارات في موقع جيد يتيح لها تجاوز هذه التحديات، نظراً لوفرة مواردها من الطاقة المتجددة، وموقعها الاستراتيجي بوصفها مركزاً عالمياً للطيران، والتزامها بالابتكار التقني. وتعمل الحكومة بفاعلية على دراسة آليات سياسية متنوعة لدعم نمو سوق هذا الوقود، منها المنح وضمانات القروض وآليات تسعير الكربون.
الانعكاسات الاستراتيجية على شركات الطيران وقطاع الطيران
ينطوي الموقف الحازم للإمارات تجاه استدامة الطيران على انعكاسات استراتيجية كبيرة على جميع الأطراف المعنية في سلسلة القيمة الخاصة بالطيران.
شركات الطيران
تمثل هذه اللوائح لشركات الطيران تحدياً وفرصة في آن واحد. فتكلفة الامتثال، ولا سيما ما يتعلق بالرصد والإبلاغ والتحقق والتعويض بموجب خطة CORSIA، ستضيف طبقة جديدة من النفقات التشغيلية. ومع ذلك، يمكن للسبّاقين إلى تبني الممارسات المستدامة أن يحققوا ميزة تنافسية كبيرة.
فالسجل القوي في مجال الاستدامة يعزز سمعة العلامة التجارية، ويستقطب العملاء المهتمين بالبيئة، ويحسّن فرص الحصول على التمويل من المستثمرين الذين يركزون على معايير البيئة والمجتمع والحوكمة. أما مخاطر التقاعس فهي جسيمة، إذ ستواجه شركات الطيران التي تخفق في التكيف مع هذا النموذج التنظيمي الجديد عقوبات مالية متزايدة، وأضراراً بسمعتها، وقيوداً محتملة على وصولها إلى الأسواق.
كما يمكن لاستراتيجية استدامة متينة أن تحقق كفاءات تشغيلية، على سبيل المثال من خلال اعتماد طائرات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود وتحسين مسارات الرحلات.
منظومة الطيران الأوسع
أما بالنسبة إلى منظومة الطيران الأوسع، بما فيها المطارات وخدمات المناولة الأرضية ومراكز الصيانة والإصلاح والعَمرة، فستحفز هذه اللوائح موجة من الابتكار والاستثمار. وسيتزايد الطلب على الخدمات الداعمة لإزالة الكربون، مثل البنية التحتية لمزج وقود الطيران المستدام وتوريده، ومعدات الدعم الأرضي الكهربائية، ومباني المطارات الموفرة للطاقة.
وسيؤدي تطوير صناعة محلية لإنتاج وقود الطيران المستدام إلى خلق فرص اقتصادية جديدة ووظائف تتطلب مهارات عالية. وستعيد التغييرات التي تقودها هذه اللوائح تشكيل مشهد الطيران جذرياً، بما يكافئ القادرين على استشراف واقع مستقبل منخفض الكربون والتكيف معه.
وتقوم استراتيجية الحكومة على إيجاد دورة إيجابية، تحفز فيها المحركات التنظيمية الابتكار التقني، الذي يتيح بدوره وضع أهداف بيئية أكثر طموحاً. وسينتج عن ذلك سوق ديناميكية وتنافسية لتقنيات وخدمات الطيران الأخضر، تكون الإمارات في قلبها.
الخلاصة
وضعت الإمارات إطاراً تنظيمياً شاملاً ومتيناً لاستدامة الطيران، مما يرسخ مكانتها رائدة عالمياً في التحول نحو الطيران الأخضر. وترسم هذه اللوائح، التي تتمحور حول صلاحيات الهيئة العامة للطيران المدني وتتوافق مع خطة CORSIA الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي، مساراً واضحاً للحد من الأثر البيئي لقطاع الطيران.
ولا تُعد متطلبات الرصد والإبلاغ والتحقق الصارمة، والتعويض عن الكربون، والتشجيع الاستراتيجي لوقود الطيران المستدام مجرد إجراءات امتثال بسيطة، بل هي أسس نموذج تشغيلي واستراتيجي جديد. ويتطلب العمل في هذه البيئة التنظيمية المعقدة من شركات الطيران وسائر الأطراف المعنية بالطيران نهجاً استباقياً ومستنيراً، وسيترتب على الإخفاق في إدراك مخاطر هذا التحول وفرصه عواقب كبيرة.
إن مستقبل الطيران في الإمارات يُبنى على مبادئ الاستدامة، ومن يوائم استراتيجياته مع هذه الرؤية سيكون في أفضل موقع لتحقيق النجاح والمرونة على المدى الطويل في عالم يزداد وعياً بالكربون. وبناء قطاع طيران مستدام جهد طويل الأمد، غير أن الإمارات أرست أساساً متيناً لمستقبل يسير فيه النمو الاقتصادي والمسؤولية البيئية جنباً إلى جنب.
لمزيد من المعلومات، اطلعوا على مقالاتنا حول قانون المنافسة في قطاع الطيران بالإمارات، والتدريب المؤسسي في الإمارات، ودليل قانون الإثبات في المعاملات التجارية بالإمارات، وتأمين المسؤولية البيئية في القطاع البحري بالإمارات، والتحكيم في التأمين البحري بالإمارات.
مصادر إضافية
اطلعوا على المزيد من مقالاتنا حول موضوعات ذات صلة: