لغة التحكيم في الإجراءات بدولة الإمارات: اعتبارات العربية مقابل الإنجليزية
اللغة التي تختارها ليست اللغة التي ستقرأها محكمة التنفيذ
ما يتركه قانون التحكيم الإماراتي للطرفين في شأن اللغة، وما تفرضه المحاكم بصرف النظر عنه: العربية لكل ما يُودَع لديها. يتناول المقال قواعد مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) ومركز أبوظبي للتحكيم (arbitrateAD)، والمستندات التي تحتاج إلى ترجمة معتمدة وبأي معيار، والجلسات الثنائية اللغة، والمفاضلة بين الإنجليزية والعربية، وما ينبغي أن يحسمه بند اللغة، ومتى تتدخل المحكمة بسبب اللغة.
روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant
تنص بنود التحكيم على أن اللغة الإنجليزية هي لغة الإجراءات. تُعقد جلسات المرافعة بالإنجليزية، وتصدر هيئة التحكيم حكمها بالإنجليزية، ثم يتوجه الطرف الفائز بالحكم إلى محكمة إماراتية لتنفيذه. وعندئذٍ يتوقف الاختيار الذي تقرر في البند عن كونه شأنًا خاصًا بالطرفين: فمحاكم دولة الإمارات تشترط أن تكون جميع المستندات المقدمة إليها، بما فيها أحكام التحكيم، باللغة العربية أو مترجمة إليها. وما ورد في البند بشأن اللغة هو ما يحدد حجم الترجمة المنتظرة عند تلك المرحلة، وكلفتها، ومقدار ما يبقى من الحكم عرضةً للجدل حول دقة النص.
هذا التوتر يسري في التحكيم في دولة الإمارات بأسره. فالعربية هي اللغة الرسمية للمحاكم، والإنجليزية مستخدمة على نطاق واسع في المعاملات التجارية وفي التحكيم الدولي. ولا يقتصر أثر اللغة على مدى وضوح تفاهم الأطراف فيما بينهم، بل تمتد آثارها إلى الكفاءة الإجرائية، وإلى الكلفة، وإلى ما إذا كان الحكم قابلًا للتنفيذ من عدمه.
ما يتركه قانون التحكيم للطرفين
يخضع التحكيم في دولة الإمارات في المقام الأول للمرسوم بقانون اتحادي رقم (6) لسنة 2018 في شأن التحكيم ("قانون التحكيم الإماراتي")، الذي يقنّن مبادئ التحكيم ويتوافق مع المعايير الدولية. وتمنح المادة 41 الطرفين سلطة الاتفاق على لغة الإجراءات. فإذا لم يتفقا، انعقدت لهيئة التحكيم السلطة التقديرية في تحديد اللغة، مراعاةً لظروف الدعوى.
الاستقلالية التي يمنحها القانون واسعة النطاق. وهي أيضًا السبب في أن تحديد لغة التحكيم الدولي خيرٌ أن يتم في العقد من أن يُترك لهيئة التحكيم. فاتفاق التحكيم الخالي من أحكام واضحة بشأن اللغة قد يؤدي إلى تأخيرات إجرائية، وزيادة في الكلفة، بل وإلى مخاطر تهدد قابلية الأحكام للتنفيذ.
النقطة الوحيدة التي لا يستطيع الطرفان الاتفاق على تجاوزها
تشرف محاكم دولة الإمارات على التحكيم وتنفذ أحكامه، وتشترط أن تكون جميع المستندات المقدمة إليها، بما فيها أحكام التحكيم، باللغة العربية أو مترجمة إليها. وهذا جزء من قانون المرافعات المدنية الإماراتي، ويعكس المكانة الرسمية للعربية بوصفها لغة القضاء. فالتحكيم الذي يُدار بالكامل باللغة الإنجليزية ينتهي مع ذلك إلى حكم يجب ترجمته إلى العربية لغايات الاعتراف به وتنفيذه لدى محاكم دولة الإمارات. وقد يكلّف الإخلال بشرط الترجمة الحكمَ نفاذَه، إذ يجوز للمحاكم رفض التنفيذ لأسباب إجرائية.
ومن ثم، فإن قانون التحكيم يمنح استقلالية واسعة في شأن اللغة، بينما يبقى اشتراط الترجمة العربية للتنفيذ القضائي أمرًا لا يقبل المساومة. والبند المُحرَّر وكأن أحد هذين الأمرين فقط هو الموجود يترك الآخر ليُعالَج عند مرحلة التنفيذ.
ماذا يقول مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) ومركز أبوظبي للتحكيم (arbitrateAD) بشأن اللغة
تضع مؤسسات التحكيم الدولي العاملة في دولة الإمارات، مثل مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) ومركز أبوظبي للتحكيم (arbitrateAD) في أبوظبي، بدورها قواعد تحكم لغة التحكيم. وتتيح هذه القواعد عادةً للطرفين اختيار اللغة، أو تخوّل هيئة التحكيم البت فيها عند غياب الاتفاق. وتعترف قواعد تحكيم DIAC صراحةً بالإنجليزية والعربية لغتين عاملتين، وتجيز الإجراءات الثنائية اللغة عند الاقتضاء. ويتيح ذلك للمحكّمين الاستعانة بمترجمين فوريين ومترجمين تحريريين للجلسات وتبادل المستندات، بحيث تبقى الإجراءات عادلة حيثما تكون قدرات الطرفين اللغوية غير متكافئة.
ما المستندات التي تحتاج إلى ترجمة، وبأي معيار
حيثما يُدار التحكيم باللغة الإنجليزية ويُطلب التنفيذ لدى محاكم دولة الإمارات، يجب ترجمة جميع مستندات التحكيم — بما فيها صحف الدعاوى والأدلة وأوامر هيئة التحكيم والأحكام النهائية — إلى اللغة العربية بواسطة مترجمين معتمدين. ويسري الشرط أيضًا على أي محاضر جلسات أو أقوال شهود تُقدَّم إلى المحكمة.
وليس المعيار معيارًا كتابيًا شكليًا. فالترجمة مهمة قانونية واستراتيجية يمكن أن تؤثر في نتيجة الإجراءات. فالترجمة غير الصحيحة أو غير الدقيقة قد تؤدي إلى سوء فهم، وإلى منازعات في الأدلة، بل وإلى أسباب للطعن في أحكام التحكيم. ويجب أن تكون الترجمة دقيقة وأمينة للنص الأصلي حتى تصمد أمام التدقيق القضائي. وقد تعيّن المحاكم خبراء للتحقق من أمانة الترجمة، وأي اختلاف جوهري يمكن أن يؤخر التنفيذ أو يثير تساؤلات حول صحة الحكم.
إدارة جلسة بلغتين
كثيرًا ما تدور إجراءات التحكيم في دولة الإمارات في بيئة ثنائية اللغة، حيث قد تستلزم المستندات والجلسات والأحكام الترجمة بين العربية والإنجليزية. وقد تُدار الجلسات بترجمة فورية، بحيث يستطيع محكّم ناطق بالعربية وشاهد ناطق بالإنجليزية التواصل فيما بينهما. وقد يكون إبراز المستندات والمرافعات ثنائي اللغة أيضًا، بحيث يرافق كل مستند ترجمة معتمدة. وهذه الطريقة شاملة للجميع، لكنها تزيد أيضًا التعقيد الإجرائي وكلفة التحكيم.
وهي تُلقي عبئًا على هيئة التحكيم أيضًا. إذ يحتاج المحكّمون إلى أوامر إجرائية تضع قواعد واضحة لاستخدام اللغة ومعايير الترجمة ومعالجة الاختلافات. وحيثما لا تدير هيئة التحكيم ذلك، قد يجد الطرف الأقل إتقانًا للغة التحكيم نفسه في وضع غير متكافئ، وقد تتراكم على الدعوى تأخيرات وكلف إضافية.
الإنجليزية أم العربية، وثمن كل اختيار
كثيرًا ما تبرز الإنجليزية بوصفها اللغة المفضلة للعقود التجارية الدولية وبنود التحكيم في دولة الإمارات. فهي اللغة العالمية للتجارة، المستخدمة على نطاق واسع بين الشركات متعددة الجنسيات، لا سيما في قطاعات كالإنشاءات والنفط والغاز والتمويل، حيث تأتي الأطراف من ولايات قضائية متنوعة. ويساعد التحكيم باللغة الإنجليزية الأطراف الأجنبية والمحكّمين والمحامين على المشاركة، ويوفر منتدى أكثر حيادًا ويسرًا في الوصول. غير أن الكلفة تأتي لاحقًا: فالتحكيم الذي يُدار بالإنجليزية وحدها يستتبع متطلبات ترجمة عند التنفيذ أمام محاكم دولة الإمارات، مما قد يفرض وقتًا وكلفة إضافيين.
أما العربية فتسير في الاتجاه المعاكس. فاختيارها قد يقلل أعباء الترجمة عند تنفيذ الأحكام محليًا، لكنه قد يشكّل تحديات للأطراف غير الناطقين بالعربية، وقد يمنح أفضلية للأطراف المحلية أو الممارسين الأكثر ألفةً باللغة. وفي النزاعات التي تشمل كيانات إقليمية أو مؤسسات حكومية، تكون العربية غالبًا الاختيار الطبيعي والواجب قانونًا.
وبين الاثنين يقع النظام الهجين. فقد ينص العقد على الإنجليزية لغةً رئيسية للتحكيم، مع ترجمة عربية إلزامية للمستندات الجوهرية وللحكم. وبذلك يُحفظ التيسير التجاري الذي توفره الإنجليزية مع استيفاء متطلبات اللغة الرسمية في دولة الإمارات. ويجب تحرير الأنظمة الهجينة بعناية، تفاديًا للالتباس الإجرائي والنزاعات حول أي المستندات تستلزم الترجمة وفي أي مراحل.
ما ينبغي أن يحسمه البند، ومن ينبغي أن ينظر الدعوى
إن الأحكام التي تحدد لغة التحكيم، والتزامات الترجمة المترتبة عليها، وكيفية التعامل مع المواد الثنائية اللغة، يمكن أن تحد من عدم اليقين وتمنح الطرفين سبيلًا لحل النزاعات المتعلقة باللغة. أما البنود التي تذهب أبعد من ذلك — مواعيد نهائية للترجمات، ومعايير للمترجمين المعتمدين، وآلية للنزاعات حول اللغة ذاتها — فيمكنها أن تخفف المخاطر الإجرائية وتقلل فرص استخدام التأخير في الترجمة لأغراض تكتيكية. وهذا العمل يندرج ضمن بقية أعمال صياغة العقود، قبل أن يكون هناك نزاع يُجادَل فيه.
ويجب أن تراعي الصياغة ما تحدثه اللغة في إجراءات الإثبات، وفي شهادة الشهود، وفي صياغة الحكم ذاته. ويسري التفكير ذاته على التعيينات. فينبغي للطرفين النظر في اختيار محكّمين ومحامين متقنين للغة المختارة، تفاديًا لأن يكون أحد الطرفين في وضع غير متكافئ. فالقدرات اللغوية لهيئة التحكيم تؤثر مباشرةً في كفاءة الإجراءات وعدالتها. والمحكّمون الذين يعملون بطلاقة بالعربية والإنجليزية معًا قد يزيلون الحواجز اللغوية المحتملة ويحسّنون التواصل.
حيثما تعيد اللغة المحكمة إلى الصورة
يظهر التزام دولة الإمارات بالتحكيم الدولي في انضمامها إلى اتفاقية نيويورك وفي تشريعاتها الحديثة للتحكيم، ومع ذلك تحتفظ المحاكم بمتطلبات إجرائية صارمة بشأن اللغة. فيجب أن تكون طلبات التنفيذ المقدمة إلى محاكم دولة الإمارات باللغة العربية أو مصحوبة بترجمات عربية معتمدة. وتدقق المحاكم في جودة الترجمة عن كثب، وأي غموض أو تناقض قد يؤدي إلى رفض التنفيذ. وفي ذلك ما يعلل الاستعانة بمترجمين قانونيين مؤهلين يفهمون المصطلحات القانونية وسياق التحكيم معًا.
وقد تجر اللغة المحاكم إلى صلب الإجراءات ذاتها. فحيثما يدّعي أحد الأطراف أن هيئة التحكيم أخفقت في توفير الترجمات اللازمة، أو أن الحواجز اللغوية قوّضت حقه في أن يُسمَع، يجوز للمحاكم أن تأمر بتدابير تصحيحية بل وأن تبطل الأحكام في حدود ضيقة. ويجب على الأطراف توقع الحاجة إلى الإنفاق على الترجمة التحريرية والفورية امتثالًا لما تشترطه المحاكم. وقد يؤدي الإخفاق في ذلك إلى تأخيرات وزيادة الكلفة أو إلى رفض التنفيذ، مما قد يقوّض قيمة التحكيم بوصفه آلية محايدة لتسوية النزاعات.
يقدم نور اتورنيز خدمات التحكيم الدولي، ويتولى قضايا التقاضي التجاري.
إخلاء مسؤولية: هذه المقالة لأغراض إعلامية فقط ولا تشكل استشارة قانونية.