الرؤى ←

تجزئة التحكيم في دولة الإمارات: الفصل بين مسائل المسؤولية والتعويض

تقرير ما إذا كان أحد مسؤولًا قبل إثبات مقدار المستحق، ومتى يصبح الفصل تكتيكًا للمماطلة

كيف تقسم التجزئة التحكيم في دولة الإمارات إلى مرحلتي مسؤولية وتعويض. يتناول سلطة هيئة التحكيم التقديرية بموجب قانون التحكيم الإماراتي وقواعد مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC)، وحذر المحاكم من إساءة الاستخدام، ونظام مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، ومزايا الفصل وعيوبه، والإجراءات من الطلب إلى جدول مرحلة التعويض، والأحكام الجزئية والتنفيذ.

روجعت بواسطة Mohamed Noureldin، Founder, Managing Partner & Senior Legal Consultant

في النزاع التجاري الكبير، قد تنطوي مسألة التعويض على نماذج مالية معقدة أو خبراء تقييم أو مستندات واسعة النطاق. وإذا أُعدَّ كل ذلك إلى جانب دعوى المسؤولية، فقد يتكبد الطرف نفقات جسيمة على أدلة التعويض وشهادات الخبراء تذهب هباءً إذا رُفضت المسؤولية في النهاية. وتجزئة الإجراءات وسيلة إجرائية تستهدف هذه المشكلة؛ إذ تقسم التحكيم إلى مراحل منفصلة، عادةً المسؤولية والتعويض، بحيث تستطيع هيئة التحكيم أن تقرر ما إذا كان أحد مسؤولًا قبل أن يثبت أحد مقدار المستحق.

لقد أصبح التحكيم آلية رئيسية لحل النزاعات التجارية في دولة الإمارات. فالمسؤولية هي مسألة ما إذا كان الطرف مسؤولًا عن إخلال أو خطأ، أما التعويض فهو تحديد الأضرار أو التعويضات المستحقة. والفصل بينهما يتيح للأطراف وهيئات التحكيم معالجة المسائل المعقدة على مراحل، بما قد يقلل التكاليف ويركز الحجج القانونية ويسرِّع الحسم في النقاط الجوهرية. غير أن الوسيلة ذاتها قد تُساء استخدامها؛ فقد يدفع المدعي نحو التجزئة لعزل طعن قضائي أولي أو مسألة مسؤولية إذا حُسمت لصالحه قد تُغني عن مرحلة تعويض مكلفة ومعقدة، وقد يطلبها المدعى عليه لتأخير الإجراءات أو تعقيدها. وعندئذ تضطر هيئات التحكيم إلى الموازنة بين الكفاءة واحتمال إساءة استخدام الإجراءات.

من أين تستمد هيئة التحكيم سلطتها في تقسيم الدعوى

تجزئة الإجراءات شائعة في مختلف الولايات القضائية، غير أنها تكتسب طابعًا مميزًا في ظل قانون وممارسة التحكيم الإماراتيين. وتعمل المحاكم الإماراتية وهيئات التحكيم في إطار القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 بشأن التحكيم ("قانون التحكيم الإماراتي")، إلى جانب القواعد المؤسسية مثل قواعد مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC).

يُدوِّن قانون التحكيم الإماراتي مبادئ التحكيم بما يتسق مع المعايير الدولية مثل القانون النموذجي للأونسيترال (UNCITRAL). وتمنح المادة 23 هيئات التحكيم سلطة تقديرية في تحديد المسائل الإجرائية ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. وتتيح هذه السلطة الواسعة لهيئة التحكيم أن تأمر بإجراءات مجزأة عندما تبررها ظروف النزاع.

وقد وضعت المؤسسات التحكيمية العاملة في دولة الإمارات، مثل مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC)، قواعد تستوعب التجزئة صراحةً أو ضمنًا. فعلى سبيل المثال، تجيز قواعد التحكيم لدى DIAC لهيئات التحكيم الفصل في مسائل الاختصاص أو المقبولية بوصفها مسائل أولية. وغالبًا ما تكون هذه الآلية أساس طلبات التجزئة التي تركز على الطعون في الاختصاص؛ فإذا قُبل مثل هذا الطلب، عُزلت المسائل التمهيدية عن موضوع النزاع.

تقبل المحاكم التجزئة، لكن ليس وسيلةً للمماطلة

ليس الفصل تلقائيًا، وهو يتطلب من هيئات التحكيم أن توازن بعناية بين المصالح المتنافسة. وقد أبدت المحاكم الإماراتية تقبلًا للتجزئة مع إبقاء موقف حذر لمنع إساءة استخدامها. ويعكس هذا الموقف ضرورة التحوط ضد التكتيكات المصممة لمجرد عرقلة الإجراءات أو إطالتها.

كما تحتفظ المحاكم الإماراتية بدور رقابي على الاختصاص: فإذا قضت هيئة التحكيم، بوصفها مسألة أولية، بأنها مختصة، جاز لأي طرف أن يطلب من المحكمة الفصل في الأمر خلال 15 يومًا من الإخطار بذلك القرار. ولذلك يجب أن يتوافق قرار هيئة التحكيم مع اعتبارات النظام العام والأعراف الإجرائية في دولة الإمارات. وما يزال الإطار يتطور، حيث تضطلع هيئات التحكيم والأطراف والمحاكم كلٌّ بدوره في الموازنة بين الكفاءة والعدالة والنهائية.

إطاران: القانون الاتحادي ومركز دبي المالي العالمي (DIFC)

تتمتع دولة الإمارات بإطار تحكيمي مزدوج؛ فقد تنشأ النزاعات في ظل كل من القانون الاتحادي وقوانين المناطق الحرة مثل قانون التحكيم في مركز دبي المالي العالمي (DIFC). وتتطلب هذه الازدواجية من الممارسين تكييف استراتيجياتهم مع المقر الواجب التطبيق والقواعد الحاكمة.

متى يكون فصل المسؤولية عن التعويض منطقيًا

يتطلب قرار التجزئة تقييمًا استراتيجيًا للخصائص الهيكلية والموضوعية للنزاع. وغالبًا ما يكون الفصل مرغوبًا عندما تكون المسؤولية متنازعًا فيها ويكون التعويض معقدًا أو تقنيًا أو ضخم الحجم.

الميزة الرئيسية هي الكفاءة الإجرائية وضبط التكاليف؛ فبحسم المسؤولية أولًا، يمكن للأطراف تجنب خطر تكبد نفقات جسيمة على أدلة التعويض وشهادات الخبراء إذا رُفضت المسؤولية في النهاية. وإرجاء مرحلة التعويض إلى حين إثبات المسؤولية يمكن أن يقلل بشكل كبير العبء الواقع على الأطراف وهيئات التحكيم.

ويمكن للتجزئة أيضًا معالجة مسائل أولية قد تؤثر في جدوى التحكيم برمته؛ فقد يسعى أحد الأطراف، مثلًا، إلى التجزئة بحيث تُحسم الطعون في الاختصاص، كوجود اتفاق تحكيم أو صلاحيته، قبل موضوع النزاع. والنجاح في أسباب الاختصاص قد يؤدي إلى رفض مبكر أو تسوية، مما يحفظ الموارد.

وللأدلة أهميتها كذلك؛ فقد تنطوي مسائل المسؤولية أساسًا على تفسير تعاقدي أو نزاعات واقعية، بينما يتطلب التعويض غالبًا محاسبين أو مهندسين خبراء لعرض تقييمات تقنية. وتتيح الإجراءات المجزأة لهيئات التحكيم إدارة عرض تلك الأدلة وتقييمها بفعالية أكبر، وتقلل خطر جلسة سماع مفرطة التعقيد تجمع المرحلتين معًا.

الفصل قد يطيل العمل أيضًا ويكرره

ليست التجزئة بلا عيوب؛ فقد تطيل التحكيم إجمالًا إذا طُعن في قرار هيئة التحكيم بشأن المسؤولية أو إذا تأخرت مرحلة التعويض. وإذا استخدم أحد الأطراف التجزئة تكتيكًا مماطلًا، وجب على هيئات التحكيم صياغة أوامر إجرائية بعناية تضع جداول زمنية صارمة وتدير التكاليف. وقد تستلزم التجزئة أيضًا تكرار الجهد، كإعادة إعداد الشهود أو أتعاب الخبراء، إذا عادت هيئة التحكيم إلى مسائل في مرحلة التعويض.

ويواصل التحكيم في دولة الإمارات تطوره السريع. ويجب على الأطراف ومحاميهم الموازنة بين هذه الاعتبارات والسياق الهيكلي والثقافي لحل النزاعات. وينبغي أن يستند قرار التجزئة إلى فهم تفصيلي لقواعد التحكيم الحاكمة ونهج هيئة التحكيم والأثر المحتمل في التنفيذ.

من الطلب إلى جدول مرحلة التعويض

عادةً، يقدم الطرف الساعي إلى التجزئة طلبًا رسميًا يطلب فيه من هيئة التحكيم فصل الإجراءات إلى مرحلتي مسؤولية وتعويض. ويجب أن يبيِّن الطلب أسبابًا مقنعة، مؤكدًا الاقتصاد الإجرائي وتعقيد المسائل وإمكانية الحسم المبكر.

ثم تدرس هيئة التحكيم عوامل مثل احتمال أن تؤدي التجزئة إلى حسم أسرع أو تقليل التكاليف أو تجنب أدلة غير ضرورية. ويمنح قانون التحكيم الإماراتي هيئات التحكيم سلطة تقديرية واسعة للفصل في مثل هذه المسائل الإجرائية. وعمليًا، كثيرًا ما تطلب هيئات التحكيم مذكرات من جميع الأطراف وقد تعقد جلسة أولية قبل أن تقرر.

وبمجرد الأمر بالتجزئة، تضع هيئة التحكيم جدولًا زمنيًا إجرائيًا يحكم مرحلة المسؤولية حصرًا. ويتضمن هذا الجدول عادةً مواعيد نهائية للمذكرات وإنتاج المستندات وبيانات الشهود ومواعيد الجلسات. وبعد إصدار حكم أو قرار بشأن المسؤولية، تقيِّم هيئة التحكيم ما إذا كان ينبغي المضي في التعويض استنادًا إلى نتيجة المسؤولية. فإذا أُثبتت المسؤولية، انتقلت هيئة التحكيم إلى مرحلة التعويض بموجب جدول زمني إجرائي جديد.

وللخبراء دور بارز في الإجراءات المجزأة؛ فكثيرًا ما تعيِّن هيئات التحكيم خبراء منفصلين للمسؤولية والتعويض نظرًا لطبيعتهما المختلفة. ويجب على الأطراف إدارة إفصاحات الخبراء واستجواباتهم وتقاريرهم بما ينسجم مع الإطار المجزأ. وقد يتطلب ذلك إدارة متطورة للقضية وتدابير لضبط التكاليف.

الأحكام الجزئية والتنفيذ والإجراءات الموازية

ومن المسائل الإجرائية الحاسمة ما إذا كان قرار هيئة التحكيم بشأن المسؤولية نهائيًا أم تحضيريًا. ففي دولة الإمارات، غالبًا ما يُفضَّل النهائية لتجنب خطر الإجراءات الموازية أو الطعون. غير أن بعض هيئات التحكيم قد تصدر أحكامًا أو قرارات جزئية تظل قابلة لمزيد من النظر. ويجب على الأطراف أيضًا الانتباه إلى أثر التجزئة في قابلية الأحكام المؤقتة أو الجزئية للتنفيذ بموجب اتفاقية نيويورك والقانون الإماراتي.

ويمكن للتجزئة أيضًا أن تعزز فرص التنفيذ بإصدار أحكام مؤقتة أو جزئية بشأن المسؤولية، وبموجب قانون التحكيم الإماراتي تكون الأحكام المؤقتة قابلة للتنفيذ أمام المحاكم بأمر على عريضة. وهذا وثيق الصلة بدولة الإمارات، حيث يشكل تنفيذ أحكام التحكيم بموجب اتفاقية نيويورك والقوانين المحلية شاغلًا رئيسيًا. وهيكلة التجزئة بحيث تسفر عن أحكام مؤقتة قابلة للتنفيذ يمكن أن يخلق ميزة استراتيجية في النزاعات العابرة للحدود.

ومن الاعتبارات المهمة الأخرى التنسيق بين التحكيم وأي تقاضٍ متزامن أو إجراءات إعسار. فقد تُستخدم التجزئة لفصل مراحل التحكيم بحيث تتوافق مع تطورات قانونية خارجية، أو للتصدي لتكتيكات في محافل موازية. ويتطلب هذا التنسيق تخطيطًا قانونيًا وإجرائيًا دقيقًا لتجنب التعارض أو التقاضي المكرر.

نزاعات يحقق فيها الفصل مزايا تكتيكية وفي التكاليف

ومن السيناريوهات الشائعة نزاع يتضمن عنصر تعويض كبير مشروط بتحديد واضح للمسؤولية؛ إذ يمكن لمرحلة مسؤولية مركزة أن تنهي النزاع مبكرًا أو أن تضع معايير لاحتساب التعويض.

ومنها نزاع ينطوي على طعون معقدة في الاختصاص أو المقبولية. فعندما يعترض المدعى عليه على اختصاص هيئة التحكيم أو على صلاحية شرط التحكيم، يمكن للتجزئة أن تفصل هذه المسائل التمهيدية عن موضوع النزاع. والفصل في الاعتراضات على الاختصاص في مرحلة مبكرة قد يُغني عن تقييم كامل للتعويض، موفرًا نفقات ووقتًا كبيرين.

وتكون التجزئة مفيدة كذلك عندما تكون الأدلة غير متكافئة؛ فعندما تكون المسؤولية مسألة قانون أو واقع، ويتطلب التعويض تقييمًا خبيرًا مكثفًا، يتيح النهج المجزأ للأطراف تركيز مواردهم وأعمال الخبراء بكفاءة، ويقلل الإثقال وتكرار التكاليف.

ويسعى الأطراف في التحكيم الإماراتي على نحو متزايد إلى إدارة الأثر المالي للنزاعات المطولة. ويمكن أن تؤدي التجزئة إلى تسوية مبكرة أو تضييق المسائل، مما يقلل التكاليف الإجمالية للتحكيم، بما في ذلك أتعاب هيئة التحكيم ونفقات الخبراء. كما تتيح المراحل المنفصلة للأطراف تخطيط الميزانيات وتخصيص الموارد على نحو أكثر قابلية للتنبؤ.

ويجب الموازنة بين تلك المزايا واحتمال إساءة الاستخدام؛ فقد يستخدم بعض الأطراف التجزئة لتأخير الإجراءات أو تعقيد حل النزاع. وهيئات التحكيم الإماراتية متنبهة لمثل هذه التكتيكات وتطبق معايير صارمة على السلوك المماطل أو المعوق. وتتطلب المرافعة الفعالة إثبات أن التجزئة ستعزز حقًا الاقتصاد الإجرائي والعدالة.

للحصول على مشورة بشأن تجزئة التحكيم وحل النزاعات في دولة الإمارات، تواصل مع متخصصي التحكيم في نور اتورنيز.

إخلاء مسؤولية: هذا المقال لأغراض إعلامية فقط ولا يشكل استشارة قانونية. يرجى استشارة محامٍ مؤهل للحصول على إرشاد محدد بشأن حالتك.

خدمات ذات صلة وقراءات إضافية

اتصلوا بنا الآنتحدثوا مع فريقنا عبر واتساب